|
عودة الحداثة للتقافة السعودية لماذا؟
03-13-2009 08:56 AM
في بعض المؤسسات الثقافية، وفي بعض الكتابات الصحفية، عاد الحديث حول الحداثة بأكثر من مجال باعتبارها معطى ثقافياً تجديدياً، ووصفها رؤية جديدة تخالف ماهو سائد في الوضع التقليدي العام. بمعنى أن نتجاوز الحالة الراهنة إلى نقدها وتفكيكها لخلق رؤية عصرية تتماشى مع القيمة الحضارية ذات البعد الفردي في مقابل الرؤية الجماعية.
وإذا كانت الحداثة تعتمد على رؤيتها النقدية تجاه الحياة والواقع في مقابل الرؤية السكونية الجامدة، فإن المجتمع السعودي أصبح في وضع مختلف عن وضعه السابق. كانت الرؤية التقليدية هي التي تهيمن على مجريات الحياة في الواقع السعودي مما سبب خللاً اجتماعياً وأزمة فكرية، ولما كان الحال كذلك كان لابد من البحث عن مكامن الخلل ومواطن العلة، مما استوجب النقد الحاد للرؤية التقليدية ومحاولة تجاوز رؤاها الفكرية، كما تجاوزتها بعض الشعوب المجاورة العربية على الخلل الكبير في حداثتها أو تحديثها بتوصيف أدق، أو كما تجاوزتها الشعوب الأخرى غير العربية المتقدمة.
برأيي أن العودة إلى الحداثة هو جزء من إعادة الرؤية في الواقع الثقافي السعودي كاملاً، خاصة أنه واقع تقليدي الطابع كما قلنا، وتأتي الحداثة لتطرح هذا الواقع تحت مشرح النقد والتصحيح، كما أن هذا الواقع قد تم اختطافه من قبل قوى فكرية كان لها الأثر الشديد في التراجع عن قيم الحضارة والتقدم والانفتاح التي كان المجتمع السعودي يخطو إليها في بداية تكوين الدولة السعودية. إذا فإن العودة إلى الحداثة هو نوع من الإصلاح الفكري الذي يتوازى مع جميع الإصلاحات التي تحاول الدولة أن تنتهجه، لذا كان من الواجب طرح الحداثة كأحد أساليب الإصلاح وكبداية نظرية وعملية جذرية في التصحيح الفكري والسياسي والثقافي في المجتمع السعودي.
صحيح أن الحداثة فشلت في بداية تشكلها في أرض الواقع السعودي، كونها كانت حداثة شكلية الطابع جنحت إلى التبلور العمراني دون الإنساني والفكري، أي إنها حداثة \"برانية\" وسطحية تتعامل مع القشرة دون الولوج إلى مكامن الفكر في الثقافة السعودي، والتشكيل الثقافي الذي تجسدت من خلاله الحداثة كانت في جانبها الأدبي دون غيره من جوانب الحياة. أيضا لم يعاضد هذا المجال التحديثي في الواقع السعودي، ولا الثقافة السعودية، أي رؤية فكرية قوية تستند على أرضية صلبة كما هي الحداثة غير العربية حتى لدى النخب الثقافية التي تبنت الرؤية الحداثية في التعبير الأدبي، وهذا أحد أسباب فشل الحداثة لدينا كواقع ثقافي سعودي.
الآن تعود الحداثة بشكل آخر. تعود من خلال الطرح الفكري والفلسفي والأدبي، أي إنها تحاول أن تتجاوز أخطاءها أيام الثمانينات من خلال تأصيلها النظري قبل التطبيقي. تحاول أن تتعمق أكثر في بنية المجتمع وفي الذهنية من خلال الكثير من النقد الفكري في الثقافة العربية عامة، والثقافة السعودية على وجه الخصوص. تحاول أن تتغلغل في عمق المكون الفكري للشخصية السعودية لتعيد مساءلة هذا المكون من جديد، كون الحداثة تقوم على النقد والتصحيح للموروث والفكر التقليدي.
الطرح الفلسفي للحداثة يعطي بعداً أعمق في الرؤية الجديدة لما سوف يكون؛ يعطي قيمة معرفية للمتغير الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي، وهنا يطرح التنوير، واستلهام روحه النقدية والتغييرية، بوصفه المتكأ الثقافي الذي يمكن للحداثة أن تتبلور في الواقع السعودي من خلاله لا من الناحية الفكرية، ولا حتى من الناحية الأدبية إذا ما أردنا قصرها على الجانب الأدبي، مع أن قصر الحداثة على الجانب الأدبي يحصر الظاهرة في حيز ضيق من وجودها وتمثلها على أرض الفكر الذي سوف يؤثر لامحالة على الحراك التاريخي للمجتمع حسب الرؤية الهيغلية لمسيرة التاريخ.
ولأن الحداثة لا تستأذن ومع تحولات المجتمع السعودي خلال السنوات العشر الأخيرة، وانفتاحها الإجباري على كافة الأصعدة، وضغط المدنية الحديثة في مقابل القرية والصحراء، والرؤية الجديدة التي بدأت تكتسح الناس حتى في داخل بيوتهم، وتعيد تشكيل تصوراتهم المفاهيمية للحياة وللعالم كله ظهرت الحداثة لتأخذ مكانها من جديد كونها التجلي الأمثل لفلسفة التنوير التي هي في الأساس من صعدت بالعالم الغربي إلى مصاف المجتمعات المتقدمة فكرياً، ولأن الحداثة لاتستأذن في دخولها السريع حتى إلى داخل البيوت، فقد تسببت في الفترة الأخيرة بربكة شديدة وهزة عنيفة كانت أحد تجلياتها التكنولوجيا والثورة الاتصالية، مما خلق مجتمعات استهلاكية، وكنا نحن في المجتمع السعودي من أكثر الناس استهلاكاً لها. هذا الارتباك أعاد الحديث حول الحداثة بوصفها الأرضية الفكرية لكل هذه الأشياء.
لكن، وهنا تكمن فرادة وجِدّة الكلام حول الحداثة، لم يتم الكلام حول الحداثة بوصفها ذلك الشكل الأدبي أو الاقتصار على النظرية النقدية الأدبية كما كان في السابق، إنما عاد الحديث حولها بوصفها ذلك المعطى الفكري والتاريخي لفلسفة الأنوار باستلهام الروح النقدية التي كانت إحدى أهم سمات الحداثة إلى جانب قيمة الفردانية وقيمة الحرية إلى جانب الكثير من العمل الحقوقي الإنساني حتى داخل المجتمع السعودي مما يعين وعياً أشمل بمسألة الحداثة لا يحاول معالجة أحد تجلياتها الفنية وإنما حاولت أن تتعداها إلى الجذور الفكرية التي تقوم عليها كل هذه الأمور، إذ لا يمكن قصر ظاهرة فكرية بهذا الحجم في زاوية ضيقة تم تسلط الضوء دون بقية الزوايا مما جعل الحراك الثقافي السعودي حراكاً متراجعاً في معركة التحديث والتجديد كونه كان محصوراً في أضيق حدوده.
الحداثة الآن عادت، لكن بثوب جديد هو ثوبها الذي كان لابد لها من أن تلبسه قبل أكثر من عشرين عاماً حينما أرادت الخروج إلى الناس. الآن بدأت تطرح نفسها بشكل أعمق وأكثر جذرية. بدأت تعي بعض أخطائها السابقة لكن يبقى عليها محاولة إقناع الآخرين بقيمة ما تطرحه على كل المستويات: الفكرية منها وغير الفكرية، ويكفي أن تستفيد من تجربتها السابقة في تعميق هويتها الثقافية، وتبيئة ذاتها داخل الحراك السعودي مجتمعاً وثقافة.
|
خدمات المحتوى
|
شتيوي الغيثي
تقييم
|