|
الفرق بين السعودي والطالباني
03-19-2009 01:45 PM
كتابة جزء ثان من المقالات مسألة مملة. ولكن أحيانا هناك ما يستدعي ممارسة مثل هذه التصرف خصوصا إذا كان الموضوع يتحدث عن المسألة الأهم وهي المتعلقة بحياتنا وبمستقبلنا كمجتمع سعودي. مقال الأسبوع الماضي كان يتحدث عن وعينا كمجتمع سعودي وكيف تعرض للانحراف بشكل كبير حتى فقد الكثير منا البوصلة. ومن هنا فرصة للحديث عن طبيعة هذا الوعي المرتبك من أجل توضيحه أكثر ورسم حدوده. وفي الواقع الكثير من الردود التي تعرضت للمقال الأول ساهمت بتعميقه وتوضيحه أكثر لي شخصياً. وفي ظني أن هذه مهمة يجب أن يتشارك فيها الجميع من أجل تحديد رؤيتنا وفهمنا لأنفسنا وماذا نريد أن نكون بعد 30 أو 50 عاما. لذا سأحاول أن أدمج أفكاري مع أفكار بعض الأخوة والأخوات الذين يريدون أن يفصلوا تماما الوعي السعودي عن الطالباني.
المقال الأسبوع الماضي تعرض لعدد متنوع من الردود المؤيدة أو الرافضة.وهذا في اعتقادي أهم سمات الوعي السعودي الذي نريده. أن نتفق أو نختلف بكل الطرق الممكنة وعلى أكثر صورها حدة. ولكننا نفكر بعقلية سعودية تؤمن بالحوار لا بالقمع. هذا على عكس الوعي الطالباني الذي لا يفهم الحوار ولا يسمح لأحد بالنقد أو الاعتراض. لقد شهدنا في مراحل سابقة تغلغل مثل هذا الوعي في حياتنا حتى أصبح الجميع يرددون حديثاً واحداً متشابهاً، وتم إخراس كل الأصوات التي لدىها طرح مختلف، سواء على مستوى إعلامي أو شعبي.
لقد سيطر مثل هذا الوعي الطابالني القمعي على حياتنا ولكن الأمر الرائع هو أننا بدأنا نسترد وعينا السعودي. تشهد مواقع الصحف والمنتديات جدلاً واسعاً، وفي الجلسات الاجتماعية ظهرت أصوات جديدة كسرت استبدادية الوعي الطالباني في قمع المخالفين حتى داخل العائلة الواحدة.
لماذا وعينا السعودي المؤمن بالحوار والخلاف الذي فقدناه كثيراً أهم من الوعي الطالباني القمعي؟!. لأننا بالطريقة السعودية نشعر بنوع من الحرية ومعها نشعر بكرامتنا وإنسانيتنا، ولأن الحوار والنقد هما الطريق الأهم لإصلاح حياتنا وتجاوز أخطائنا. أما الطالبانية فهي تؤمن بالجمود والتبجيل الأمر الذي جعلها تختنق بدمائها الفاسدة وتموت كما حدث على أرض الواقع وإن لم يحدث على مستوى فكري.
الفرق بين السعودي والطالباني كبير وجذري،ولكنه مع ذلك اختلط علينا في بعض الأوقات. الوعي السعودي ملتزم بنهضة بلده بطريقة واضحة وعلمية وتتعلم من تجارب الشعوب المتطورة، أما الوعي الطالباني فهو في الواقع لا تشغله كثيراً فكرة الوطن ولكنه يرى النهضة الكبيرة عن طريق الحروب والدمار والتفجيرات الانتحارية. الوعي السعودي هو الذي قام بابتعاث آلاف الشباب السعودي للدراسة الحديثة أما الوعي الطالباني فقد قام ببعث آلاف الشباب السعودي إلى مناطق القتل والصراع الذي أنهى حياتهم ومزق أرواح أهاليهم. الوعي السعودي يعيد الشاب وهو محمل بشهادة عليا من أجل أن يخدم نفسه وعائلته ووطنه أما الوعي الطالباني فيعيده جثة هامدة ليدفن في تراب وطنه(وفي أحيان كثيرة لا يعرف أين دفن).
العلاقة بين الرجل والمرأة، كما يتذكر أسلافنا، كانت طبيعية والأهم أنها كانت قابلة للتطور مع تزايد الجرعات الحديثة في المجتمع، ولكن بمجرد دخول الوعي الطالباني تغيرت العلاقة وأصبحت سيئة جداً ومليئة بالشكوك الأخلاقية. الوعي الطالباني بنظرته المهووسة القاصرة لم يكن يرى في هذه العلاقة إلا تواصلاً بين غريزتين، أما الوعي السعودي فقد رآها قائمة على التواصل بين شخصين. كل ذلك أثر على مجمل العلاقات الاجتماعية في حياتنا وضربت الثقة ولطخت الأخلاق وجعلت حتى الأطفال يراقبون ملابس وتحركات أمهاتهم.
يقول أحد الأخوة:«إنني كسعودي أكثر ما يحزنني هو رؤية ما تعرضت له كرامة المرأة السعودية». وأنا أشعر بذات مشاعره وأضيف: أن هذا يتم ليس عن طريق ثقافتي الخاصة التي لا أزعم أنها كانت تحترمها ولكنها في أسوأ الظروف لم تكن ستصل بها بعد 30 عاما إلى هذا الوضع. أفعل ذلك لأني أفكر بها إنسانة كاملة أولا سعودية ثانياً وشريكتي في بناء حياتنا لذا من العسير علي أن أراها تحتجز في الجامعات وتلاحق في الأسواق وتحرم من الوظائف وتفرض عليها القيود الطالبانية القاتلة.
تقول إحدى الأخوات: «الوعي الطالباني هو الذي حول حياتنا إلى أحزان». وأنا أتفق معها وأضيف أن الوعي الطالباني أراد سحق كل تراثنا الفني والشعري والفولكلوري الثري جدا. كما أنه قمع المواهب الإبداعية الجديدة لدينا. وبدل أن تتزين مناسباتنا وحياتنا بقصائد ابن لعبون الساحرة يؤديها أحد أبنائنا المبدعين، بتنا نسمع القصائد المليئة بالكراهية والبغضاء في قتال «الكفار» الذين يختلطون معنا في حياتنا.
بالطبع أن الوعي الطالباني هو الذي داوم خلال سنوات طويلة على وصف كل ما نقوله هنا بأنه طرح انحلالي، ولا يمكن أن نعرف أي انحلال يمكن أن نقوله في أننا نريد أن نعيش كسعوديين يحترمون بعضهم ولا يشككون بأخلاق بعضهم، ولا نريد للمرأة السعودية أن تتعرض للتضييق والإهانة، ولا الرجل أن يسأل عند كل بوابة سوق إلى أين يذهب. نريد أن ننعم بالحرية والحوار ولا نريد القمع والوصاية، نريد أن نفتخر بتراثنا الرائع لأبنائنا في نجد والجنوب وغيرهما من المناطق وليس تراث الإرهابيين في العراق وأفغانستان. نريد أن ننفتح على الثقافات ونصنع أجيالاً من المتعلمين الناجحين لا الإرهابيين الميتين. كل ذلك لا يتعارض مع ديننا الرائع بل على العكس، إن الدين العميق والعقلاني هو الذي يهدف إلى النجاح والسعادة والتطور والازدهار، ولكن الوعي الطالباني يحتفظ بنسخة أيديولوجية متشددة يرى أن الانعزال والكراهية والقمع والاضطهاد هي الدين الصحيح وكل ما عداه انحلال.
لقد تداخل كثيراً الوعي الطالباني مع وعينا السعودي وحان الوقت لننفصل عنه نهائياً ونتصرف كسعوديين فعلا، وهذا ما أصبحنا نفعله مؤخراً ولكننا بحاجة إلى تعميقه وتطويره أكثر. ولنعلم أنفسنا وأولادنا دائماً الفرق الكبير بين السعودي والطالباني وهذا ما سيجعلنا نسير في الطريق الصحيح دائماً.
|
خدمات المحتوى
|
ممدوح المهيني
تقييم
|