جديد الصور
جديد الأخبار
جديد الفيديو
المتواجدون الآن
تغذيات RSS
|
|
اللمز بالاختصاص
08-12-2010 02:48 PM
كان يتحدّث في قضية فقهية بحماس معتدل ، ولغة هادئة ، ثم أطال النفس ، ودلل ، وعلل ، وعرّج على بعض أدوات الإقناع الحديثة التي تعزز ما ذهب إليه ، وساق إحصائيات ، وسرد معلومات تنتمي لعلم النفس ، وأخرى لعلوم الاجتماع ، وشيئاً من الفلسفة المفهومة ، وأسهب في جانب طبي ، وانتهى إلى رؤية واجتهاد معقول .
هل ثم تثريب في هذا ؟
أظن أنه أصاب ، ورأيت اغتباطاً لعدد من الطلاب حين قرؤوا فوجدوا تأصيلاً شرعياً ليس مغترباً عن العصر ، ولا متجافياً مع معطياته .
المسألة المبحوثة كانت شرعية في فحواها وخصوصيتها ، فهي جزء من تخصصه ، وأصل الاستدلال فيها شرعي ، القرآن والسنة والإجماع وأقوال الفقهاء الأربعة وغير الأربعة .
وأن يكون هذا الشرعي ملمّاً ببعض المعرفة الحديثة محسناً لتوظيفها في سياقها السليم فهو من المعاصرة المطلوبة ، وهي سبيل إلى تعزيز الرأي ، وتسهيل القول ، فإن الحق يبين ويقوى بتضافر الأدلة .
قال تعالى : (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف:174)
قال ابن عباس : نبين القرآن بخبر الميثاق لكي يرجعوا من الكفر والشرك إلى الميثاق الأول ..
والمباحث التي ساقها ضمن بحثه ليست شديدة الخصوصية بحيث ينغلق فهمها ويصعب على من ليس من أهل الفن ، فهي من العلم العام المشترك الذي يتسنى إدراكه للقراء الأذكياء ، ولو كانوا من غير ذوي الاختصاص .
من الأهمية بمكان استيعاب العصر ، والتفاعل مع المعرفة الهائلة وثورتها ، بل ثوراتها المتوالية ، بِنَفَس مَرنٍ ومتجدد ، لا بنفس العجول المتسرع في الرد ، المتسرع في القبول ، ولا بنفس الجامد الذي يظن أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان .. ويقول : ما ترك الأول للآخر شيئاً ! .. بل كم ترك الأول للآخر !
القَسَم في القرآن بالعصر هو لفتة إلى المعايشة ، فالعصر ليس هو مطلق الزمان أو الدهر ، بل هو الوقت الذي تعايشه وتعيشه .
والتأكيد على (لِتَعَارَفُوا)(الحجرات: من الآية13) يحمل معنى التبادل المعرفي الذي هو أساس العلاقة العقلية ، كما أن (المعروف) هو أساس العلاقة الأخلاقية ، وهو البر والإقساط والإحسان مع الآخرين ، مسلمين وغير مسلمين ممن لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا .
من الإنصاف القول بأن المعرفة الشرعية فيها ما هو من عمق التخصص مما يعزّ فهمه وإدراكه على من ليس من أهل الشأن ، وتقحّمه حينئذٍ يُعدّ تجرؤاً وقفواً لما لا علم له به .
ومنها الكثير الكثير من المعاني العامة التي يسر الله فهمها للناس تأويلاً لقوله : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17) ، وقوله -سبحانه وتعالى- : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)(آل عمران: من الآية7) فدلالات الكتاب الكريم غالبها مما يفهمه العرب من لغتهم ، وفيها ما يحتاج إلى مراجعة الكتب والمصادر والأقوال والبحث في الروايات ليصل إلى نتيجة يطمئن إليها ، وهذا ميسور لعامة الباحثين حتى لو كانوا من غير أهل التخصص .
وتشجيع هؤلاء على مراجعة الكتب ومطالعتها والتأمل فيها مطلب حسن ، وتحفيز على تفعيل المعرفة الشرعية ، وإنارة للعقول .
وفي النصوص ما لا يحصل دركه بمثل هذا لوجود معنى خفي ، أو لبس ، أو معارضة بين نص وآخر ، أو عوارض تقدح في سلامة الفهم لمن لم يدمن النظر ، ويطيل التكرار ، وهذا من مواضع فضل الاختصاص ، ورفعة منزلة العالم بالشريعة ، لأنه يدرك في بعض المواضع ما لا يدركه سواه إلا بجهد ومعاناة , ووضع كل مسألة في إطارها هو من الحكمة .
فإني رأيت بعض المتخصصين الذين لم ترسخ أقدامهم في العلم بالشريعة ، ولا زالوا في بدايات الطريق يشعرون بفخامة الاختصاص وينتشون حين يقال لهم \" الشرعيون \" ، فإذا تكلم غيرهم في مسألة وعرّج على حكم شرعي ، أو آية ، أو حديث ، أو قول سارعوا إلى زجره ، وكأنه دخل حمى حراماً ، وقالوا : عد عن هذا ، ليس هذا عشك فادرجي ، وفي العديد من المرات أسمع شاباً شرعياً يعرج على مختص كبير في طب أو سواه ، فيقول : والأستاذ تخصصه طب أو زراعة أو هندسة أو فلك فماله ولعلوم الشريعة ؟
وقد يكون في السياق شيء من الإزراء بالتخصص ، وكأنه مما تنزل قيمته ، أو يوبخ صاحبه به .
على أن الكثير من هذه العلوم هي ضرورات حياتية ، وواجبات شرعية (على التعيين أو على الكفاية) ويأثم الناس بالتفريط فيها وتجاوزها .
وكم في القرآن الكريم من نصوص في شأن الأرض والزرع والحرث ، أو في شأن جسد الإنسان وخلقته وصحته ، أو في الفضاء والفلك والسماء والنجوم .. إلخ .
مما هو مدعاة للاحتفال بهذه المعارف وتبجيل أصحابها ، والثناء عليهم ، والإشادة بالدور الذي يؤدونه ، وأن الأمة تعتمد في نهضتها بعد الله على كثير من هؤلاء إذا صدق انتماؤهم وتوفر إبداعهم .
وليس المطلب أن يكونوا بمعزل عن الكتاب والسنة ، ولا نزل الوحي لأحد دون أحد ، اللهم إلا أن يكون الأمر كما قال عليّ -رضي الله عنه- حين سأله أَبو جُحَيْفَةَ , هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً ) مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ ؛ فَقَالَ علي : وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ.
فقال له أَبو جُحَيْفَةَ :وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ . رواه البخاري
والفهم ليس حكراً على أحد ، وقد يوجد من العلماء في شؤون الحياة من لديه الصدق والإخلاص ، والتوفر على العلم الشرعي ، والاستماع إلى العلماء ما يبزّ غيره ، ومصنفاتهم تدل على ذلك .
واحترام التخصص مما لا عيب فيه ولا تثريب ولا اختلاف ، إذا فهم على وجهه ، ولم يتحول إلى نوع من التنابز والتعيير والادعاء الأجوف ، ومحاولة عزل الآخرين وكأن الأمر لا يعنيهم وصدق الله إذ يقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات:11) .
|
خدمات المحتوى
|
د سلمان فهد العودة
تقييم
|
|
|