جديد المقالات
جديد الأخبار



دعاية

جديد الصور

جديد الأخبار

جديد الفيديو

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات
ليست شراً كلها
ليست شراً كلها
02-11-2009 09:57 PM




\" لو فقدت البلاد ـ لا قدر الله ـ العلمانية والجمهورية واللاعنف، سوف لا تبقى البلاد كما هي \". قائل هذه الكلمات ليس من دعاة العلمانية، رغم تحمسه للعلمانية في بلده، وليس من أنصار الحداثة أو الثقافة الأوروبية أو نحو ذلك، رغم تحمسه للمجتمع المفتوح. إنه الشيخ أبو الحسن الندوي، وذلك في كلمة ألقاها في ندوة نظمتها جمعية المثقفين المسلمين في الهند، بمدينة لكهنؤ في ولاية أترابراديش، في يوم 6/10/1991. وقال الشيخ الندوي في كلمته، ضمن ما قال، أن العلمانية تشبه شجرة لا تقربها الحيات والعقارب والدويبات السامة الأخرى، وأنها ضمان لسلامة الشعب الهندي وسلامة البلاد (أنظر: مجلة البعث الإسلامي، العدد 9، المجلد 36، جمادي الأولى 1412).

هل هذه الكلمات مقدمة لمدح العلمانية والدعوة لها، كما قد يتخيل البعض، أو يُريد أن يتخيل؟ ليست القضية هكذا على الإطلاق، بقدر ما هي مجرد مقدمة للدعوة إلى الفهم وتقدير الأمور والأوضاع وفق ظروفها، وعدم إطلاق الأحكام المطلقة على عواهنها. فبمثل ما نطلب من الآخرين مراعاة ظروفنا الخاصة، وأوضاعنا المختلفة مثلاً، فإن علينا أن نمارس ذات الشيء تجاه الآخرين، وتجاه أوضاع الآخرين، إذا كنا نريد أن نكون من العادلين، ولا نتحول إلى من يزنون بميزانين، في ذات الوقت الذي نشجب فيه مثل هذا النهج، \" يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون \" (المائدة، 8). فالعلمانية، مأخوذة هنا كمثل ليس إلا، قد لا تكون بذاك الشر الذي يزعمه البعض، وهي ليست كذلك، حين أخذ متغيرات معينة، وظروف محددة في الاعتبار.

ففي بلد مثل لبنان أو الهند مثلاً، حيث تعدد الأعراق والطوائف والأديان، تصبح العلمانية شيئاً مطلوباً، بل ومرغوباً فيه، حيث أن البديل هو العنف والدمار الشامل لكامل الكيان، وهو ما يشير إليه الشيخ الندوي في كلمته أنفة الذكر. فإذا كان هناك رفض لكامل المفهوم، وهو العلمانية هنا، وبغض النظر عن الظروف والمتغيرات وأوضاع المجتمع، فإن بلداً مثل الهند سوف يكون خاضعاً، دستورياً وقانونياً وعملياً، لأصولية الأغلبية، وهي الأصولية الهندوسية. فماذا يكون وضع الأقلية المسلمة الكبيرة في مثل هذه الحالة؟ لا ريب أنها سوف تكون مهددة في وجودها ذاته، على أسوء الاعتبارات، أو مجردة من حقوق المواطنة الكاملة على أفضل الأحوال، وذلك مما يقود إلى صراعات ومجازر تهدد الجميع في نهاية المطاف. فالعنف إذا ساد مجتمع من المجتمعات، فإن ضرره يصيب الجميع في النهاية، ولا يفرق بين فئة وفئة، أو فرد وفرد، وذلك مثل العقاب الإلهي حين يحل نتيجة فساد البعض فيشمل الكل، \" وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا \" (الإسراء، 16). ولذلك فإن العلمانية هي الحل العملي الأفضل في مثل هذه الحالة، أي الحالة الهندية مثلاً، بغض النظر عن الاتفاق أو الاقتناع الفكري المجرد أو عدمه. فالكثير من القضايا، والكثير من المفاهيم، لا تبرز ولا تفرض نفسها نتيجة الإيمان بها أو الاقتناع، بقدر ما تكون حلاً عملياً لمشاكل يكون ضررها عاماً الجميع، فيما لو تركت دون علاج، أو تُركت لقضايا الاتفاق أو الاقتناع المجرد.

ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن مفهوم أو نظام آخر مثلاً، ألا وهو مفهوم الديموقراطية. فالديموقراطية ليست أفضل نظام سياسي واجتماعي على الإطلاق، بل أن فيها من السلبيات الشيء الكثير. ولكنها مقارنة بغيرها من أنظمة، تبقى هي الأقل سلبية في هذا المجال أو ذاك، أو على رأي ونستون تشرشل، فإنها أفضل السيئيين. فقد يعتقد أحدهم، فرداً كان أو جماعة، أن لديه الحل السحري لكافة مشكلات ومعضلات الإنسان، منذ فجر التاريخ وحتى عصر العولمة، وهو مؤمن بإخلاص أن ما يحمله من قناعات هو في صالح الجميع حقاً. ولكن إيمان أحدهم ذاك، ليس من الضروري أن يتطابق أو يتوافق مع إيمان شخص أو جماعة أخرى، تعتقد أنها تحمل حلاً سحرياً هي الأخرى. وعندها، تصطدم القناعات والإيمانات المختلفة، من حيث أن كل واحدة منها تحاول أن تطبق حلها السحري المطلق، وتكون النتيجة في النهاية بداية دوامة من الصراع المدمر الذي لا يبدو أن له نهاية، مع استمرار ذات الأوضاع والقناعات. ومن هنا تأتي الديموقراطية بصفتها مفهوماً ونظاماً يحاول يُنظم الصراع، من خلال التركيز على أحقية الجميع في الإيمان بحقائقهم الذاتية الخاصة من ناحية، ولكن مع عدم محاولة فرضها على الآخرين من ناحية أخرى، في إطار بوتقة اجتماعية وسياسية يتنافس فيها الجميع، ولكنهم لا يتصارعون. وبمثل هذا الحل \" العملي \"، يحتفظ الكيان بالمستوى الأدنى من تماسكه على الأقل، فيما يكون البديل هو التفتت الكامل نتيجة محاولات الفرض، وصراع المتنافسين من أصحاب الحلول السحرية المطلقة.

فبلد مثل الهند مثلاً، كان من الممكن أن يتفتت إلى ألف قطعة وقطعة، وكل قطعة من تلك القطع تتفكك إلى ألف قطعة وقطعة أخرى، لو تُركت المسألة لأصحاب الحلول السحرية المطلقة. نعم إن الهند تواجه مشكلات عرقية ودينية وطائفية عديدة في ظل ديموقراطيتها، ولكن الحال كان سيكون أكثر سوءاً فيما لو تركت العملية دون إطار عملي مُنظم. ولكن إذا كانت الهند مثالاً ايجابياً للديموقراطية بالنسبة للمجتمعات المتعددة الأعراق والديانات، فإن الاتحاد السوفيتي السابق يقف كأكبر مثال على الحالة التي تنتهي إليه المجتمعات المتعددة الأعراق والديانات وغيرها، حين يكون الحل السحري الأوحد هو المأخوذ به، وعلى حساب بقية الحلول السحرية الأخرى بطبيعة الحال. فرغم كل تلك القفزة الاقتصادية والسياسية والعلمية الهائلة التي نقلت روسيا تحديداً، من قاع التخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، إلى قمة السياسة العالمية، وقمة التطور العلمي، وقمة التصنيع الثقيل، إلا أن الاتحاد سقط في النهاية، ولم يشفع له كل تلك القفزات التي حققها.

والسؤال هنا هو لماذا؟ باختصار، لأنه علم شيئاً وغابت عنه أشياء. ومن أهم، إن لم يكن أهم تلك الأشياء التي غابت عنه، هو أن حله السحري المفروض، ليس من الضروري أن يكون متوافقاً مع حلول الآخرين السحرية وغير السحرية، وهنا يكمن التناقض الدفين الذي أدى إلى النهاية في النهاية.

المراد قوله، أو استنتاجه من وراء كل الحديث السابق، هو عدم الانجراف وراء عقلية أو ذهنية \" مع أو ضد \" المُهلكة، أو \" إما \" أبيض \" أو \" أسود المُدمرة، وهي العقلية السائدة في كثير من المجتمعات، وقابعة في أذهان الكثير من الأفراد والجماعات. فالعلمانية أو الديموقراطية أو غيرها من مفاهيم وأنظمة، قد تكون \" بيضاء \" هنا و\" سوداء \" هناك، أو بين الأبيض والأسود في هنا أو هناك. هذا من ناحية المكان، مع تثبيت الزمان منهجياً، وإلا فهو غير ثابت على الإطلاق. ومع تثبيت المكان وتحريك الزمان، فإن هذا النظام أو ذاك، قد يكون أسوداً في الأمس، ولكنه أبيض اليوم، وقد لا يكون لا هذا ولا ذاك في الغد، نتيجة متغيرات ذات المكان منظوراً إليه في حالة من الحركة في إطار الزمان. وعندما نحرك المكان والزمان معاً، كما هو الحال في واقع الحال، فإن الأسود لا يبقى أسوداً على طول المدى، ولا يبقى الأبيض أبيضاً على طول الخط، وهذا هو أهم درس، في اعتقادي، يمكن أن نخرج به من ملحمة الإنسان على هذه الأرض، منذ أن أُهبط آدم من جنة الفردوس، وحتى يرث القدير الأرض ومن عليها.

هذه الملحمة التي أوجزها لنا قول الحكيم في كتابه الكريم: \" ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما اتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون \" (المائدة، 48)، \" وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون \" (يونس، 19)، \" ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون \" (النحل، 93)، \" لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم. وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون. الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون\" (الحج، الآيات 67 – 69).

فالاختلاف جزء من طبيعة البشر والحياة البشرية (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة..إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)، ولكنه لم يشأ، وفي ذلك حكمة لقوم لا يعقلون، أو هم لا يريدون أن يعقلون. ومن ذلك ندرك لماذا تنتهي إلى التلاشي والضياع، كل تلك التجارب في ملحمة الإنسان على معمورة الرحمن، والتي تحاول أن تفرض حلاً سحرياً واحداً على الجميع، وذلك ببساطة لأنها تسير عكس سنن التاريخ، التي هي في التحليل الأخير مشيئة الله في كونه. ومن هذا الفهم أيضاً، يمكن أن نستنتج أيضاً أن الإنسان مطالب بأن يقيم ذلك النظام الذي من خلاله يمكن التعبير عن الاختلاف بين بني البشر، واحتوائه في ذات الوقت، كي لا تتكرر على الدوام مأساة قابيل وهابيل، وتصبح هي عنوان العلاقة بين أبناء آدم وحواء. أما الحقيقة المطلقة، ومن من المختلفين هو على الصواب المطلق، فذاك مرجعه إلى خالق الخلق أجمعين (الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ). الله هو الحاكم في نهاية الزمان والمكان، وليس هذا أو ذاك من الأفراد والجماعات، فلسنا في النهاية، وفي هذا المجال، إلا من المجتهدين، ولكن الاجتهاد لا يعني الإصابة المطلقة، ولكن المشكلة أن أكثر الناس لا يعلمون.

ولكن هل يكون ذلك النظام الذي من خلاله يمكن التعبير عن الاختلاف، واحتوائه في ذات الوقت، هو ديموقراطية الغرب أو علمانية الهند، أو غير ذلك مما لا يعد ولا يحصى؟ ليس بالضرورة، ولا من الضرورة. فما هذه النظم والحلول إلا محاولات واجتهادت للتنظيم، ولكنها ليست شيئاً مطلقاً، ولا يجب أن تكون، وإلا وقعنا في المحظور من جديد، ألا وهو قضية الحلول السحرية المطلقة. الجوهر في الأمر هو عدم التعلق بذات النظام أو ذات المفهوم، بقدر ما يكمن، أي الجوهر، في البحث عما يمكن أن يؤطر قضية الاختلاف ويمنحها هامش للحركة والتعبير عن الذات، في محاولة لاحتوائها وتنظيمها، بدل كبتها ومن ثم انفجارها عنفاً في خاتمة المطاف. هل تنجم هذه المحاولة عن هذا النظام أو ذاك ليس مهماً، بقدر ما أن المهم في الأمر هو الاعتراف بالاختلاف، واحترام الاختلاف، وممارسة الاختلاف، في إطار سياسي واجتماعي وثقافي يصون الاختلاف، ويمنع بالتالي تحوله إلى \" خلاف \" ينفجر عنفاً ودماً، وهنا تكمن الحكمة التي تلخص كل حكمة: \" من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها..\" (الإسراء، 15).

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 604


فاكهة السماء

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تركي الحمد
تركي الحمد

تقييم
3.66/10 (41 صوت)

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الوفاق 2011 - نصميم Sky Fruits




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
الرئيسية